القرطبي

356

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

ويرد فعله وإن كان جاهلا ، فلذلك قال صلى الله عليه وسلم : " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " . لكن قد يأخذ العصاة في الربا بطرف من وعيد هذه الآية . الرابعة عشرة - قوله تعالى : ( إنما البيع مثل الربا ) أي إنما الزيادة عند حلول الأجل آخرا كمثل أصل الثمن في أول العقد ، وذلك أن العرب كانت لا تعرف ربا إلا ذلك ، فكانت إذا حل دينها قالت للغريم : إما أن تقضى وإما أن تربى ، أي تزيد في الدين . فحرم الله سبحانه ذلك ورد عليهم قولهم بقوله الحق : " وأحل الله البيع وحرم الربا " وأوضح أن الاجل إذا حل ولم يكن عنده ما يؤدى أنظر إلى الميسرة . وهذا الربا هو الذي نسخه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله يوم عرفة لما قال : " ألا إن كل ربا موضوع وإن أول ربا أضعه ربانا ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله " . فبدأ صلى الله عليه وسلم بعمه وأخص الناس به . وهذا من سنن العدل للامام أن يفيض العدل على نفسه وخاصته فيستفيض حينئذ في الناس . الخامسة عشرة - قوله تعالى : ( وأحل الله البيع وحرم الربا ) هذا من عموم القرآن ، والألف واللام للجنس لا للعهد إذ لم يتقدم بيع مذكور يرجع إليه ، كما قال تعالى : " والعصر إن الانسان لفي خسر " ثم استثنى " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ( 1 ) " . وإذا ثبت أن البيع عام فهو مخصص بما ذكرناه من الربا وغير ذلك مما نهي عنه ومنع العقد عليه ، كالخمر والميتة وحبل الحبلة ( 2 ) وغير ذلك مما هو ثابت في السنة وإجماع الأمة النهي عنه . ونظيره " اقتلوا المشركين ( 3 ) " وسائر الظواهر التي تقتضي العمومات ويدخلها التخصيص ، وهذا مذهب أكثر الفقهاء . وقال بعضهم : هو مجمل القرآن الذي فسر بالمحلل من البيع وبالمحرم فلا يمكن أن يستعمل في إحلال البيع وتحريمه إلا أن يقترن به بيان من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإن دل على إباحة البيوع في الجملة دون التفصيل . وهذا فرق ما بين العموم والمجمل .

--> ( 1 ) راجع ج 20 ص 178 . ( 2 ) الحبل ( بالتحريك ) مصدر سمى به المحمول كما سمى بالحمل ، وإنما دخلت عليه التاء للاشعار بمعنى الأنوثة فيه ، فالحبل الأول يراد به ما في بطون النوق من الحمل ، والثاني حبل ما في بطون النوق ، وإنما نهي عنه لمعنيين : أحدهما أنه غرر ، وبيع شئ لم يخلق بعد ، وهو أن يبيع ما سوف يحمله الجنين الذي في بطن الناقة على تقدير أن تكون أنثى ، فهو بيع نتاج الناتج . وقيل أراد بحبل الحبلة أن يبيعه إلى أجل ينتج فيه الحمل الذي في بطن الناقة ، فهو أجل مجهول ولا يصح ( عن نهاية ابن الأثير ) . ( 3 ) راجع ج 8 ص 71